قيم الأخلاق في الإسلام

قال (نيتشه)، فيلسوف الإنسان الأعلى: لا واقع لقيم الأخلاق، فالحرية والعدالة والمساواة مجرّد ألفاظ صنعها الضعفاء ليحدّوا بها من سيطرة الأقوياء.

وقال ماركس، فيلسوف الثّورة ضد الإنسان الأعلى: العكس هو الصّحيح، فالزهد والصبر والوداعة ألفاظ صنعها الأقوياء ليسيطروا بها على الضّعفاء.

ومعنى هذا عند الاثنين، أن ألفاظ القيم لا مصدر لها إلا الهوى والمصلحة الذاتيّة، ومادام الهوى لا يتفق مع الإنسانيّة والمثل العليا، فتكون ألفاظ القيم دجلاً ونفاقاً.

ونحن نؤمن بأنّ مصدر القيم هو المصلحة، ولكنها المصلحة المنبثقة من طبيعة الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو طبقة من الطبقات، وفئة من الفئات، وليس من شكّ أنّ هذه المصلحة تتّفق مع الإنسانية والمثل العليا، بل هي هي، ولذا سميت قيماً إنسانية، لا طبقيّة. وعليه، يكون لها واقع ثابت بثبوت الإنسان نفسه.

ولا ينفي هذا استغلال من يستغلّها، وتحريف من يحرّفها، حسب أهوائه ومصلحته، وإلا لم يصحّ تقسيم الناس إلى محقّ ومبطل يحرّف الكلم عن مواضعه، وإلى مخلص ومنافق يتستّر بشعار الصالحين.. هذا، إلى أنّه ليس في تاريخ الإنسان مجتمع واحد قال للفرد: افعل ما شئت، فإنّك غير مسؤول عن شيء قتلت أو سرقت.

أجل، هناك مذاهب شتّى لتحديد القيم الأخلاقيّة لا يتسع المقام لذكرها.

والذي يهمّنا، أن نحدّدها كما هي في نظر الإسلام، وقد انطلقت أقلام الغيورين تحدِّد القيم الاسلاميّة بأنها تهدف إلى تكوين الفرد الصالح في المجتمع الصالح.

وهذا التحديد يحتاج إلى تحديد، لأنّ القارئ لا يفهم منه شيئاً واضحاً يلتزمه عند التطبيق والممارسة، وتجنّباً لهذا المحذور، نمهّد أوّلاً بذكر بعض الأمثلة، ثم نستخرج من دلالتها التّحديد الواضح الذي يمكن ممارسته في الحياة اليوميّة.

أمر الإسلام بالصِّدق والوفاء والبذل والتَّواضع والصّبر والعفو، وما إلى ذلك، ولكن قيّد وجوبها بحدّ لا يصحّ تجاوزه بحال، وهو أن لا يؤدِّي الالتزام بها إلى عكس الغرض المطلوب منها، فالصّدق واجب، مادام في مصلحة الإنسان، فإذا تولّد منه ضرر، كإخبار العدوّ بالأسرار العسكرية، أو نقل الكلام بقصد الفتنة، كان محرَّماً. والكذب محرَّم إلا في حرب عدوّ الدّين والوطن، وفي الصّلح بين اثنين، وفي صيانة نفس بريئة، ومال محرَّم. والوفاء باليمين واجب، مادام الحالف لا يجد خيراً من يمينه، وإلا تركها، لحديث: «إذا وجدت خيراً من يمينك فدعها». وبذل المال في سبيل الله حسن، إلا إذا احتاج إليه صاحبه، والصّبر راجح إلا على الظّلم والعوز، والعفو فضيلة إلا إذا كان سبباً للفوضى ونشر الجرائم.

وبهذا يتبيّن أن قيم الأخلاق في الإسلام تقاس بمدى ما تحقّقه للإنسان من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، ومعنى هذا، أنها وجدت من أجل الإنسان، ولم يوجد هو من أجلها، كي يجب عليه التعبّد بها على كلّ حال. فالقيم الأخلاقيّة – إذاً – هي التي تحصر تصرّفات الإنسان في إطار مصلحته ومصلحة الجماعة، أو عدم الإضرار به أو بغيره على الأقلّ.

وتسأل: ما هو الضّابط لتمييز النافع من الضارّ؟

ونجيب باختصار، أنّ الضابط هو الإحساس والشعور العام بأنّ هذا ضارّ، وذاك نافع، ومتى انتهى الأمر إلى هذا الإحساس والشّعور، ينقطع الكلام، ولا يبقى مجال للسّؤال والجواب، لأنّ الشّعور العام هو البديهة بالذّات.

الشيخ محمد جواد مغنية

من كتاب “تفسير الكاشف”، ج 3.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*